قال عصام كاظم، الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للتسويق السياحي والتجاري، إن قدرة دبي على التكيف السريع مع المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية، إلى جانب التواصل المستمر بين الحكومة والقطاع الخاص، تشكل ركائز أساسية في الحفاظ على ثقة المستثمرين، وتعزيز جاذبية الإمارة على المدى الطويل.
وأوضح كاظم في تصريحات خلال قمة «رايس»، أن الاستراتيجيات الاقتصادية في دبي لا تُعامل باعتبارها خططاً جامدة، بل أطر عمل قابلة للتكيف مع التحولات العالمية، مشيراً إلى أن تغير الظروف قد يستدعي تقديم بعض المبادرات، أو تأخير أخرى، وفقاً للاحتياجات والأولويات في كل مرحلة.
وقال: «يجب أن نكون مرنين وقادرين على التكيف، وأن تستطيع استراتيجيتنا تحريك بعض الخطوات إلى الأمام أو الخلف، بما يواكب وتيرة المتغيرات».
«D33» تحدّد البوصلة
وأشار كاظم إلى أن أجندة دبي الاقتصادية «D33» توفر ما وصفه بـ«البوصلة»، أو الهدف الاستراتيجي الذي تعمل نحوه الإمارة، بما يضمن تحرك الحكومة والقطاع الخاص في الاتجاه نفسه، وفق أجندة وأهداف مشتركة.
لكنه شدّد على أن إطلاق الاستراتيجية ليس نهاية المهمة، إذ يعتمد نجاحها على المتابعة المستمرة والتواصل مع المستثمرين والشركات لرصد التحديات التي تواجههم والتدخل لمعالجتها.
وقال إن دبي «لا تطلق استراتيجية ثم تنساها»، بل تعمل على الاستماع باستمرار إلى شركائها والمستثمرين، وفهم الصعوبات التي تواجه أعمالهم، بما يسمح للحكومة بتسهيل الحوار وتوفير الحلول اللازمة لتجاوزها.
ويعكس هذا النهج، وفق كاظم، تحول العلاقة بين الحكومة والشركات من نموذج تنظيمي تقليدي إلى شراكة طويلة الأجل، تقوم على اعتبار نجاح القطاع الخاص جزءاً أساسياً من تحقيق الأهداف الاقتصادية للإمارة.
استباق الأزمات بدلاً من انتظارها
ويرى كاظم أن أحد العوامل التي تدعم الثقة الدولية في دبي هو تركيز القيادة على استمرارية الأعمال خلال فترات عدم اليقين، سواء خلال الأزمات المالية، أو جائحة «كوفيد-19»، أو الاضطرابات العالمية الأخرى.
وأوضح أن السؤال الذي يتكرر من القيادة عند ظهور تحديات هو: «كيف تسير الأمور مع شركائنا في القطاع الخاص؟ وهل يواجهون تحديات؟ وما المشكلات التي يمكننا مساعدتهم في حلّها؟».
وأضاف أن هذا النهج يدفع الجهات الحكومية إلى البقاء على اتصال مباشر مع الشركات والمستثمرين، بهدف اكتشاف المشكلات قبل تفاقمها، بدلاً من انتظار وقوعها ثم التحرك لمعالجتها.
وقال: «علينا أن نكون متقدمين بخطوة. وإذا كنا على تواصل دائم مع شركائنا ونفهم بدقة التحديات التي يواجهونها، فسنكون قادرين على العمل مبكراً على حلّها».
الحكومة «مسهّل» لنجاح الأعمال
وبحسب كاظم، تنطلق فلسفة العمل الحكومي في دبي من اعتبار الجهات الحكومية مقدمة للخدمة، سواء كان المتعامل فرداً، أو مستثمراً، أو شركة.
وقال إن التحول الرقمي وإتاحة الخدمات الحكومية على مدار الساعة يعكسان هذه الفلسفة، مضيفاً أن «دورنا هو تسهيل نجاح القطاع الخاص».
ويشكل ذلك، في رأيه، عنصراً رئيسياً في قدرة دبي على جذب الشركات ورؤوس الأموال والمواهب، خصوصاً في وقت تتنافس فيه المدن العالمية ليس على الاستثمارات فقط، وإنما أيضاً على رواد الأعمال والكفاءات القادرة على تأسيس الأعمال وتوسيعها.
من السياحة إلى «الاستقرار»
لكن جاذبية دبي، وفق كاظم، تتجاوز المؤشرات الاقتصادية والخدمات الحكومية، إذ يرى أن قدرة المدينة على تحويل الزائر إلى مقيم تمثل أحد أصولها غير الملموسة الأكثر أهمية.
وقال إن الزائر الذي يأتي إلى دبي للمرة الأولى قد ينجذب إلى الخدمات والمرافق، ومستوى التجربة السياحية، إلا أن «العامل الحقيقي» يظهر عندما يبدأ بالتفاعل مع المجتمع الذي يعيش في المدينة.
وأشار إلى أن دبي تضم نحو 200 جنسية، وأن الوافدين يشكلون الأغلبية العظمى من سكانها، مضيفاً أن كثيراً ممن قدموا إلى الإمارة وهم يتوقعون البقاء لمدة عامين فقط، انتهى بهم المطاف إلى الإقامة فيها لنحو عقدين، فيما امتدت إقامة بعض العائلات إلى أكثر من جيل.
وقال كاظم إن هذه الجاذبية «لا يمكن شراؤها بالمال، أو صناعتها من خلال الحملات الترويجية»، وإنما تنشأ بصورة عضوية من البيئة التي بنتها دبي، والتي تسمح للأفراد بالقدوم والاستقرار واعتبار المدينة موطناً لهم.
اقتصاد لا يخطط لليوم
ويضع كاظم المرونة في قلب النموذج الاقتصادي الذي تتبعه دبي، خصوصاً في ظل عالم تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية.
وأوضح أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية والجيوسياسية يمكن أن تغير اتجاه حركة الأعمال بسرعة، ما يفرض على الحكومات والشركات امتلاك القدرة على تعديل أولوياتها من دون التخلي عن أهدافها بعيدة المدى.
وقال إن دبي «لا تعمل من أجل اليوم فقط»، إذ ترتبط القرارات بأجندة طويلة الأجل وأهداف مستقبلية محددة، مع إخضاع الخطط للتقييم المستمر وتعديلها عندما تستدعي الظروف ذلك.
وبذلك، تراهن الإمارة على معادلة تجمع بين ثبات الهدف ومرونة التنفيذ: الحفاظ على الاتجاه الاستراتيجي طويل الأمد، مع امتلاك مساحة كافية للتحرك سريعاً عندما تتغير ظروف الأسواق.
ويرى كاظم أن هذه القدرة، إلى جانب التفاؤل وسرعة اتخاذ القرار والتواصل بين الحكومة والقطاع الخاص، تفسر جانباً من قدرة دبي على جذب الأشخاص والشركات، ليس للقدوم إليها فقط، وإنما للبقاء فيها، والنمو على المدى الطويل.
المصدر: جريدة الخليج

