ويعكس هذا التباين، أن قيمة العقار داخل الإمارة لا تحددها المساحة أو جودة البناء وحدهما، بل تتأثر بدرجة أكبر بموقع الوحدة وقيمة المنطقة والمنظومة الاقتصادية والعمرانية والخدمية المحيطة بها.
ويقول خبراء ووسطاء عقاريون إن شققاً متقاربة أو متطابقة تقريباً، من حيث المساحة والمواصفات قد تسجل فروقاً كبيرة في أسعار البيع والإيجارات باختلاف موقعها داخل دبي، حتى عندما تقع ضمن نطاقات جغرافية متقاربة. وترتبط هذه الفجوات بتفاوت مستويات الطلب، والقوة الشرائية، وقيمة الأراضي، وكثافة الأنشطة الاقتصادية، وقرب وسائل النقل والخدمات، فضلاً عن اختلاف جاذبية المناطق للسكان والمستثمرين وسهولة إعادة البيع والتأجير.
ويشير الخبراء، إلى أن الفارق السعري بين مناطق دبي لا يعكس بالضرورة اختلافاً في جودة العقار ذاته، بقدر ما يعكس «قيمة المكان» وقدرته على استقطاب السكان والمستثمرين وتوليد عائد مستدام.
ومن هنا، تتيح المقارنة داخل السوق العقاري في دبي قراءة أكثر دقة للفوارق بين أسعار الوحدات المتشابهة، وتكشف مدى تأثير الموقع والمنظومة المحيطة في القيمة النهائية للعقار، بعيداً عن معيار سعر القدم المربعة وحده.
علامة تجارية كبرى
وأكد أن الطلب كذلك يلعب دوراً، فقد تكون شقتان متطابقتان في المساحة والتشطيب، لكن إذا كان الطلب على الأولى أكبر، فإن سعرها سيكون أعلى. مبيناً أن قيمة عقارات في تجمعات سكنية بدبي، أعلى من بقية المناطق الأخرى، ليس لأن كل عقار فيها أفضل من كل عقار آخر، وإنما بسبب متوسط القيمة الاقتصادية للمنظومة المحيطة بالعقار، وتمتلك دبي قاعدة طلب أكثر تنوعاً تشمل المستثمر، المقيم، الموظف، السائح، الشركات والمؤسسات الدولية، وهذا يوسع قاعدة المستأجرين والمشترين المحتملين، ولهذا نرى أن المستثمر يقبل شراء بأسعار أعلى في أماكن محددة بدبي؛ لأنه يتوقع إيجاراً أعلى إشغالاً وأفضل، وارتفاعاً أكبر في القيمة مستقبلاً، وأضف إلى ذلك معايير أخرى مثل الرسوم الحكومية، ونوعية السكان والقدرة الشرائية.
وفي المقابل، أماكن وتجمعات سكنية أخرى، تتمتع بميزة مهمة هي السعر الأكثر تنافسية؛ ولذلك قد تكونان أكثر جاذبية لفئات تبحث عن خفض كُلفة السكن أو التشغيل.
إعادة البيع والتأجير

وأوضح: «دبي، على سبيل المثال، تستفيد من طلب محلي ودولي واسع، وتركيز كبير للشركات والوظائف والسياحة والاستثمارات، إلى جانب بنية تحتية قوية وسيولة أعلى في سوق إعادة البيع والتأجير، ولذلك يحصل العديد من مناطقها على علاوة سعرية أعلى».
وبيّن: «أما بالنسبة للعقار التجاري، فالموضوع أكثر حساسية للموقع؛ لأن قيمة المكتب أو المحل لا تحددها المساحة فقط، بل عدد السكان والشركات في محيطه، حركة الزوار، سهولة الوصول والمواقف، والقوة الشرائية للمنطقة. ولهذا يمكن أن يختلف إيجار محلين متشابهين بشكل كبير رغم أن المسافة بينهما ليست كبيرة».
وأكد: «لا يوجد هامش ثابت يمكن القول إنه يجب أن يفصل بين أسعار مناطق في دبي، فالمقارنة الصحيحة تكون منطقة بمنطقة وعقاراً بعقار. أحياناً اسم المنطقة والمكان بحد ذاته يحمل قيمة إضافية، لكن هذه القيمة ليست مجرد اسم، بل هي انعكاس للطلب، والبنية التحتية، والفرص الاقتصادية، والسيولة والثقة التي تراكمت في ذلك الموقع».
ولفت إلى أن: «المستثمر المحترف لا يسأل فقط: أين العقار الأرخص؟ بل: على ماذا أحصل مقابل السعر، وما حجم الطلب الحقيقي، وما سهولة التأجير وإعادة البيع؟ لأن العقار الأرخص ليس بالضرورة الاستثمار الأفضل، كما أن العقار الأغلى لا يكون مبرراً ما لم تدعمه عوامل اقتصادية حقيقية.
ثقة استثمارية متنوعة
وعلى الرغم من التصورات السائدة، فإن الفوارق في الإيجارات تبدو أكثر اعتدالاً مقارنة بفجوات أسعار البيع، فبحسب بيانات منصة «بيوت»، يبلغ متوسط إيجار الشقة المكونة من غرفة نوم واحدة في منطقة النهدة بدبي نحو 56 ألف درهم سنوياً، مقابل 37 و39 ألف درهم في تجمع سكني آخر في مدينة أخرى، وبين 27 و29 ألف درهم في مدينة ثالثة. أي أن مستويات الإيجار تنخفض بنحو الثلث، مقارنة بدبي. غير أن الفجوة في أسعار البيع أكبر بكثير، ويناهز متوسط سعر القدم المربعة في دبي نحو 1900 درهم.
ويعكس الإيجار في المقام الأول قيمة الاستخدام الفعلي للعقار، في ظل عوامل مثل سهولة الوصول إلى وسائل النقل والبنية التحتية، إضافة إلى ضوابط تنظيمية مثل تجميد الزيادات الإيجارية لمدد محددة في بعض الأسواق، أما أسعار البيع فتتأثر بشكل أكبر بعوامل السيولة وسهولة التخارج وتوافر التمويل وجاذبية السوق للمستثمرين الدوليين. وينطبق المبدأ ذاته على العقارات التجارية؛ حيث تُقاس قيمتها بقدرتها على توليد العوائد أكثر من ارتباطها بالمساحة وحدها.
كما تلعب الهوية والعلامة التطويرية دوراً محورياً في تشكيل القيمة العقارية، فالسعر لا يرتبط فقط باسم المدينة والتجمع السكني، بل يمتد إلى مكانة المشروع أو المجتمع السكني داخلها. ولهذا غالباً ما تسجل المجتمعات العمرانية المخططة أسعاراً تفوق نظيراتها في الأحياء التقليدية بفوارق كبيرة. وفي هذا السياق، لا يمثل الاسم مجرد عنوان، بل يعكس توقعات السوق بشأن السيولة المستقبلية واستقرار الطلب وقابلية الاستثمار على المدى الطويل.

مستويات طلب قوية

أما في ما يتعلق بالعقارات التجارية، لا تعتمد قيمة المحال والمكاتب على المساحة فقط، بل ترتبط بعوامل أخرى تشمل كثافة الحركة التجارية، وتوافر مواقف المركبات، وسهولة الوصول، وطبيعة الأنشطة الاقتصادية المحيطة».
المصدر: جريدة الخليج

