تُعد الفنانة دانا الجنيبي إحدى أبرز المبدعات الإماراتيات اللاتي برزن في عالم صناعة اللوحات والتكوينات والتجهيزات والأعمال الفنية المتنوعة عبر التطريز على «الكانفاس»، حيث تسرد عبر تلك النتاجات البصرية المبهرة حكايات وقصصاً مغايرة بأدوات تختلف عن نظيراتها المستخدمة في الرسم الكلاسيكي، فبدلاً من الريشة والفرشاة توظف دانا الإبرة لنسج لوحات قد تستغرق الواحدة منها عدة سنوات، كون هذا الصنيع الابتكاري يتطلب الصبر الطويل والدقة العالية والمهارة اليدوية الفائقة.
دانا الجنيبي
تأتي المهارة في هذا الفن التشكيلي نتاج تجربة طويلة بالتعامل مع القماش وتقنيات الغزل، فهذا الإبداع كما تعتقد التشكيلية، ليس مجرد وسيلة تُستغل لتزيين المنسوجات والأزياء، بقدر ما هو أداة للتعبير الفكري، إذ أتقنت دانا تلك الموهبة في المدرسة، عبر مادة التربية الأسرية التي أتاحت تعلّم مبادئ الحياكة، واليسير من حرفة التطريز، كما تنحدر الفنانة من عائلة بارعة في الصناعات اليدوية، كالخياطة أو الكروشيه، الأمر الذي جعل الخيوط متاحة أمام ناظريها طوال الوقت.
أساليب
تعمد دانا إلى إنجاز تلك القطع والاشتغالات الجمالية بأساليب تنتمي إلى مدارس تشكيلية متنوعة كالواقعية والتجريدية والتعبيرية، حيث توائم في بعض الأوقات بين عدة اتجاهات فنية، مستخدمة الخيوط الملونة البديلة عن الأصباغ التقليدية، بغية التعبير عن فكرة أو مشهد من الواقع المعيش تحوله إلى عمل إبداعي نابض بالحياة، ما يوضح تأثر التشكيلية بالبيئة المحيطة، حيث تستوحي رؤاها من العمارة ووجوه البشر وانفعالاتهم والأسفار والحواضر، إذ تؤمن دانا بأن المواد البسيطة وتحرر القيود يمنحان التطريز فرصة للاندماج ضمن الحراك البصري الحديث، الأمر الذي شكّل لها فلسفة فنية خاصة، تعيد عبرها تقديم الحياكة بوصفها فناً معاصراً.
ومن أبرز نتاجات دانا الغزلية لوحة «الكوخ والجدول»، التي عرضتها في أحد المحافل المحلية، وهي عبارة عن مشهد طبيعي أنجزته الفنانة خلال عامين من العمل الدؤوب والمحكم بحيث تعكس كل جزئية في اللوحة فكرة وموقفاً، ما يدل على براعة التشكيلية في صياغة لقطات متنوعة داخل فضاء العمل بما يجعله ضاجاً بالحياة، معلناً انتماءه الأسلوبي والجمالي للمدرسة الرومانسية الحالمة، بطريقة ترتكز على إظهار الطبيعة بحالة من الصفاء بعيداً عن ملوثات البيئة، وتلك ضمن الأطروحات التي تعنى بها دانا في مشاريعها الفنية.
تفاصيل
على الجانب الأيمن قليلاً من فضاء اللوحة، يربض الكوخ الهادئ الدال على حياة وادعة بجوار مجرى النهر، محتمياً بتلك الأشجار الباسقة الممتدة خلفه لتشكل خلفيةً حية للعمل بأكمله، كما نجدها متناثرةً أمامه بما يصنع محيطاً أخضر غنياً ضمن بيئة آمنة ونقية، بنوافذ زجاجية لا تحجب ما بداخله أو خارجه، وكأن قاطنه يبتغي الاستمتاع بكل تفصيلة ولحظة وسط تلك المشاهد الطبيعية الحانية، ويلمح المشاهد وجود مدخنة تعلوه، تخرج منها بقع صغيرة من الدخان الرمادي بما يؤكد مظاهر الحياة داخل ذلك المسكن الهادئ.
وأمام الكوخ يتدفق نهرٌ صغيرٌ ينساب في مسارات متعرجة، هابطاً من تلك الجبال الشاهقة المنتصبة على يمين اللوحة، فيما نلمح وجود رصيف خشبي مخصص للعبور بطريقة تضفي لمسة جمالية وإنسانية تعزز سحر هذا المشهد الحالم، فالملاحظ هنا أن هذا العمل لا ينقل تفاصيل الواقع بحذافيره بقدر ما يبتكر إضافات تمنح المزيد من الأبعاد البصرية الخلابة، وتلك أسلوبية اشتهر بها رواد رسم الطبيعة من الفنانين العالميين الكبار.
خطة لونية
تستند الرؤية اللونية في توزيع تلك الخيوط الملونة على مساحة اللوحة إلى انسجام وتناقض ذكي يجمع بدقة بين الدرجات الدافئة والباردة، بصورة تحاكي انعكاس الإضاءة الطبيعية عند وقت الغروب، وتكمن الخدعة البصرية التي قد تواجه المشاهد عند النظر إلى هذا الصنيع عن بُعد، في أن اللوحة تبدو للوهلة الأولى كأنها نُفذت بضربات فرشاة وألوان زيتية، بيد أن المتأمل سيفاجأ حتماً عندما يدقق في تفاصيل العمل بظهور ملامح مذهلة وعجيبة لتلك الأعداد الهائلة من الغرز المتتابعة والدقيقة، إذ يتضح أن دانا وظفت الكثير من الخيوط الحريرية والقطنية بسماكات متنوعة بغية تجسيد تباين الألوان ببراعة.
المصدر: جريدة الخليج

